أبو عبيد البكري الأندلسي الأونبي

5

فصل المقال في شرح كتاب الأمثال

وهي الكلام الذي يفهم عنك منه خلاف ما تضمره لاحتماله معنيين ، وهذا هو اللحن عند العرب ، تقول : لحنت له لحناً ، إذا قلت له قولاً يفهمه عنك ويخفى على غيره ، وقد لحنه إذا فهمه ، وهو الذي أراد مالك بن أسماء بن خارجة بقوله ( 1 ) : وحديثٍ ألذه هو مما . . . تشتهيه النفوس يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيا . . . ناً ، وخير الحديث ما كان لحنا أي تعرض به في حديثها وتزويه ( 2 ) عن جهته لئلا يفهمه الحاضرون . ومن المعارض ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( 3 ) أنه حين هاجر إلى المدينة مخفياً لشأنه عن قريش نزل منزلاً ، فمر به قوم يؤمون مكة ومعه أبو بكر ، فقال لهما القوم : من أين أنتما ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن من ماء من المياه ، فقال القوم : هما من بعض مياه العرب . وإنما أراد النبي عليه السلام قول الله تعالى : { فلينظر الإنسان مم خلق ، خلق من ماءٍ دافق } ( الطارق : 5 ) فلحن لهم بذلك ليخفى أمره ، وصدق كما قال عليه السلام : إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً . وقال لامرأة من العرب ( 4 ) : " إن الجنة لا تدخلها العجز " ففزعت وبكت ، أراد النبي عليه السلام قوله تعالى : { إنا أنشأناهن إنشاءً ، فجعلناهن أبكاراً ، عرباً أتراباً } ( الواقعة : 36 ) ، وأهل الجنة أجمعون / شبان لا يهرمون ( 5 ) .

--> ( 1 ) انظر ترجمة مالك بن أسماء في الشعر والشعراء : 492 ، وقد ورد البيتان أيضاً في أمالي القالي 1 : 5 والسمط : 15 ، وفيه استطراد بذكر قصص متصلة بالملحن والتعريض . وهما في أمالي المرتضى 1 : 14 ، والبيان 1 : 147 ووهم الجاحظ في معنى اللحن هنا ، فظنه الخطأ في الإعراب . ( 2 ) س : فتزيله . ( 3 ) كرره البكري أيضاً في شرحه على الأمالي ( انظر السمط : 240 ) وقد ورد هذا الخبر في سيرة ابن هشام 2 : 268 ط . الحلبي ، وبهامش الروض الأنف 2 : 56 . ( 4 ) ط س : من الأنصار . ( 5 ) ص ح : لا ينزفون ، ومعناه لا يسكرون ، واصله من ذهاب العقل .